الشيخ محمد رشيد رضا
386
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أخرى ، فالأول من السخام وهو سواد القدر ، والثاني من الحمة وهي الفحمة ) ونحملهما ونخالف بين وجوههما ، أي نركبهما ونجعل وجوههما إلى مؤخر الدابة - وهو المراد من الخزي أي الفضيحة . وفيها ان الذي أمر القارئ ان يرفع يده هو عبد اللّه بن سلام . وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والنحاس في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم عن البراء بن عازب . قال : مر على النبي صلّى اللّه عليه وسلم يهودي محمما مجلودا ، فدعاهم فقال : أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قالوا : نعم ، فدعا رجلا من علمائهم فقال : أنشدك باللّه الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قال : اللهم لا . ولولا انك نشدتني بهذا لم أخبرك ، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ، ولكنه كثر في اشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فقلنا : تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع ، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « اللهم إني أول من أحيا امرك إذ أماتوه » وامر به فرجم ، فأنزل اللّه * * * ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ - إلى قوله - إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ ) يقول : ائتوا محمدا فان امركم بالتحميم والجلد فخذوه ، وان أفتاكم بالرجم ، فاحذروا . فأنزل اللّه عز وجل ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ - وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ - وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) قال هي في الكفار كلها * هذا أصح ما ورد في سبب نزول الآيات . وهاك تفسيرها : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ الخطاب بوصف الرسول تشريف للنبي ( ص ) ولم يرد الا في هذا الموضع وفي موضع آخر من هذه السورة وسيأتي . ومثله « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ » * وورد في بضع سور . وفي هذا التشريف والتكريم تعليم وتأديب للمؤمنين ، يتضمن النهي عن مخاطبته باسمه ، والامر بأن يخاطبوه بوصفه ، وكذلك كان يدعوه أصحابه : يا رسول اللّه . وجهل هذا الأدب بعض الأعراب لما كانوا عليه من سذاجة البادية وخشونتها ، فكانوا ينادونه باسمه « يا محمد » حتى أنزل اللّه تعالى ( لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً )